تتجه البرازيل، اليوم الأحد 25 أكتوبر، إلى جولة الحسم في انتخابات الرئاسة، وسط أجواء من الانقسام الحاد. وأظهر آخر استطلاع للرأي تقدّم بولسونارو بنسبة 51% مقابل 49% لولا، أي بفارق يدخل ضمن هامش الخطأ ويجعل النتيجة مفتوحة على كل الاحتمالات. بهذه الأرقام، لا يدخل الناخبون البرازيليون إلى صناديق الاقتراع ليؤكدوا نتيجة محسومة، بل ليحسموا بأنفسهم سباقاً لم تستطع الاستطلاعات أن تحسمه.
وكان المرشحان قد خاضا مناظرتهما الأخيرة مساء 23 أكتوبر، فجاءت أكثر انضباطاً من الأولى قبل أسبوع، لكنها لم تخفِ حدّة الخلافات الجوهرية بينهما. فالمناظرة الأخيرة، رغم هدوئها النسبي، أكدت أن الخلاف ليس خلافاً على التفاصيل أو على الأسلوب، بل على رؤية البلاد نفسها: دور الدولة، واتجاه الاقتصاد، ومكانة البرازيل في العالم. وهذا هو ما يجعل جولة الحسم هذه أكثر من مجرد اختيار بين مرشحين.
كيف تعمل جولة الحسم؟
النظام الانتخابي البرازيلي للرئاسة يعمل على جولتين: فإذا لم يحصل أي مرشح على أكثر من نصف الأصوات الصحيحة في الجولة الأولى، ينتقل المرشحان الأولان إلى جولة ثانية يفوز فيها من يحصل على أكبر عدد من الأصوات. وهذا النظام مصمّم ليمنح الفائز شرعية الأغلبية، لكنه يخلق في المقابل ظاهرة معروفة: ففي الجولة الثانية، يصوّت كثير من الناخبين لا لمرشحهم المفضل، بل ضد المرشح الذي يرفضونه أكثر. ولهذا السبب تبدو نتائج الجولات الثانية متقاربة في العادة، ولهذا السبب أيضاً يصبح الناخبون المترددون، الذين لم يحسموا أمرهم حتى اللحظة الأخيرة، هم من يقررون النتيجة فعلاً.
وفي حالة كهذه، حيث الفارق في آخر استطلاع نقطتان فقط، يصبح كل تفصيل مهماً: نسبة المشاركة في كل منطقة، وتصويت الناخبين الذين قاطعوا الجولة الأولى، ومدى نجاح كل حملة في إقناع أنصار المرشحين الذين خرجوا من السباق بالتصويت لها بدل البقاء في البيت. فالانتخابات لا تحسمها الاستطلاعات، بل الأصوات التي تدخل الصناديق فعلاً.
لماذا تبدو النتيجة معلّقة؟
عندما تكون النسبة 51 مقابل 49، لا يستطيع أي طرف الاحتفال مبكراً. فالناخبون المترددون ونسبة المشاركة قد يقلبان النتيجة في اللحظة الأخيرة، كما أن الفائز سيبدأ ولايته على أرضية سياسية منقسمة أصلاً. والدرس الأهم من الانتخابات المتقاربة في كل الديمقراطيات هو أن الفارق الصغير لا يعني أن النتيجة عشوائية، بل يعني أن البلد منقسم فعلاً إلى معسكرين متقاربي الحجم، وأن الحسم سيكون بقرارات هامشية: بضعة آلاف من الأصوات هنا، ونسبة مشاركة أعلى قليلاً هناك.
ما هو هامش الخطأ؟
هامش الخطأ مفهوم إحصائي بسيط كثيراً ما يُساء فهمه. فالاستطلاع لا يسأل كل الناخبين، بل عينة منهم، ثم يعمّم النتيجة على الجميع مع هامش من عدم اليقين. وعندما يكون هامش الخطأ ثلاث نقاط مثلاً، فإن تقدّم مرشح بنقطتين لا يعني أنه متقدم فعلاً، بل يعني أن النتيجة الحقيقية قد تكون تقدّمه بفارق أكبر، أو تعادله، أو حتى تأخره. ولهذا السبب يصف المحللون نتيجة 51 مقابل 49 بأنها "تعادل إحصائي"، لا فوزاً لأحد الطرفين.
الناخبون المترددون ونسبة المشاركة
في الانتخابات المتقاربة، يصبح الناخبون الذين لم يحسموا أمرهم هم الكتلة الحاسمة، وتصبح قدرة كل حملة على إخراج أنصارها إلى صناديق الاقتراع أهم من قدرتها على إقناع خصومها. فالحملة التي تنجح في رفع المشاركة بين مؤيديها، حتى بنسبة صغيرة، قد تحسم النتيجة لصالحها. كما أن الطقس، ويوم التصويت، وسهولة الوصول إلى مراكز الاقتراع، كلها عوامل تبدو هامشية، لكنها في سباق بنقطتين تصبح حاسمة.
ما الذي على المحك في السنوات الأربع المقبلة؟
فوز أي من المرشحين سيرسم ملامح السنوات الأربع المقبلة لأكبر دولة في أمريكا اللاتينية، وأكبر اقتصاد في القارة، وصاحبة أكبر غابة استوائية في العالم. وهذا الثقل يجعل الانتخابات البرازيلية حدثاً يتجاوز حدود البرازيل: فقرارات الرئيس المقبل في الاقتصاد والتجارة والبيئة ستنعكس على أسواق القارة كلها، وعلى النقاش العالمي حول المناخ، وعلى موازين القوى السياسية في أمريكا اللاتينية.
الاقتصاد الأكبر في القارة
البرازيل ليست دولة عادية في اقتصادها: فهي مصدّر عالمي للغذاء والمواد الخام، وسوق ضخمة بحد ذاتها، وشريك تجاري أساسي لدول القارة كلها. ولهذا فإن اتجاه سياستها الاقتصادية، من الإنفاق العام إلى التجارة إلى الاستثمار، سينعكس على جيرانها وعلى أسعار السلع عالمياً. والرئيس المقبل، أياً كان، سيواجه معادلة صعبة: تلبية مطالب اجتماعية ملحّة، مع الحفاظ على استقرار مالي يطمئن الأسواق.
بلد منقسم يحكمه فائز بأغلبية ضئيلة
أصعب ما في الفوز بفارق نقطتين هو الحكم بعده. فالفائز سيجد نفسه رئيساً لبلد نصفه تقريباً صوّت ضده، ومعارضة قوية تملك حضوراً في الكونغرس وفي الشارع وفي الإعلام. وهذا يعني أن كل قرار كبير سيكون محل جدل، وأن بناء التوافق سيكون أصعب من الفوز نفسه. والتاريخ يعلّم أن الرؤساء الذين يفوزون بأغلبية ضئيلة يقضون ولايتهم في محاولة توسيع قاعدتهم، لا في تنفيذ برنامجهم كما وعدوا به.
ماذا بعد إعلان النتيجة؟
بعد فرز الأصوات، تبدأ مرحلة لا تقل أهمية عن التصويت نفسه: فموقف الخاسر سيحدد الكثير. فإذا اعترف بالنتيجة بسرعة، انتقلت البلاد إلى مرحلة انتقال هادئة، وبدأ الرئيس الجديد في تشكيل حكومته. أما إذا شكّك في النتيجة أو تأخر في الاعتراف بها، فإن البلاد قد تدخل في أزمة سياسية تطغى على فرحة الفائز. ولهذا السبب يراقب العالم، وليس البرازيليون وحدهم، الساعات الأولى بعد إعلان النتائج باهتمام لا يقل عن اهتمامهم بيوم التصويت نفسه.
ثم تأتي مرحلة تشكيل الحكومة والتحالفات، وهي في النظام البرازيلي عملية معقدة: فالرئيس يحتاج إلى أغلبية في الكونغرس لتمرير قوانينه، وهذه الأغلبية لا تأتي تلقائياً مع الفوز الرئاسي، بل تُبنى بالتفاوض مع أحزاب وكتل متعددة. وقدرة الرئيس الجديد على بناء هذه الأغلبية ستحدد ما إذا كانت ولايته ولاية إنجاز أم ولاية جمود.
ماذا نراقب بعد ذلك؟
نسبة المشاركة ومسار فرز الأصوات
هل ارتفعت المشاركة عن الجولة الأولى أم تراجعت؟ وهل جاء الفرز سريعاً وحاسماً أم متقارباً حتى اللحظة الأخيرة؟ الإجابتان ستحددان قوة التفويض الذي يحمله الفائز.
موقف الخاسر: هل سيعترف بالنتيجة؟
هذا هو الاختبار الأول للديمقراطية البرازيلية بعد التصويت، وسيحدد نبرة المرحلة المقبلة كلها.
أول قرارات الرئيس الجديد
فالتشكيلة الحكومية الأولى، وأولى الإشارات الاقتصادية، ستكشف ما إذا كان الرئيس الجديد سيحكم للجميع أم لمعسكره فقط. وفي بلد منقسم بنسبة 51 إلى 49، قد تكون هذه الإشارات أهم من برنامج الحملة كله.
لماذا يتابع العالم انتخابات البرازيل؟
الانتخابات البرازيلية ليست شأناً داخلياً، لأن البرازيل دولة قارية بكل معنى الكلمة: فهي أكبر دولة في أمريكا اللاتينية من حيث المساحة والسكان والاقتصاد، وشريك تجاري أساسي لعشرات الدول، ومصدّر عالمي للغذاء والمواد الخام. وعندما يتغير اتجاه سياستها، فإن الأسواق تشعر بذلك، والجيران يعيدون حساباتهم، والتحالفات الإقليمية تتأثر. ولهذا السبب تتابع عواصم العالم نتيجة الأحد باهتمام لا يقل عن اهتمام البرازيليين أنفسهم.
كما أن البرازيل تحتضن الجزء الأكبر من غابات الأمازون، التي يعتبرها العالم رئة كوكبية ومخزوناً حيوياً للتنوع البيولوجي. وسياسة الرئيس المقبل تجاه الغابات، سواء في الحماية أو الاستغلال، ستنعكس على النقاش العالمي حول المناخ، وعلى علاقات البرازيل مع شركائها التجاريين الذين يربطون التجارة بالمعايير البيئية أكثر فأكثر. فالانتخابات هنا ليست حول من يحكم بلداً واحداً فقط، بل حول اتجاه ملفات عالمية.
الانقسام ليس برازيلياً فقط
ما تعيشه البرازيل من انقسام حاد ليس استثناءً، بل جزء من موجة عالمية: ففي ديمقراطيات كثيرة، بات الناخبون منقسمين إلى معسكرين متساويين تقريباً، وباتت الانتخابات تحسم بفوارق ضئيلة، وبات الفائز يواجه معارضة ترى فيه خصماً لا منافساً. وهذا النمط يغذيه الإعلام الموجّه ووسائل التواصل الاجتماعي، التي تعرض على كل ناخب ما يؤكد قناعاته، وتجعل الحوار بين المعسكرين أصعب.
والخطر الأكبر في هذا النمط ليس الفوز الضئيل نفسه، بل ما يفعله بالحكم: فعندما يرى كل معسكر أن الآخر يمثل تهديداً وجودياً، يصبح التوافق مستحيلاً، وتصبح كل أزمة فرصة للتصعيد بدل فرصة للحل. والرئيس المقبل، أياً كان، سيواجه هذا التحدي قبل أي تحدٍّ آخر: كيف يحكم بلداً لا يتفق نصفه مع نصفه الآخر على تعريف المصلحة العامة؟
كيف يُبنى الحكم بعد فوز ضئيل؟
بعد إعلان النتيجة، تبدأ أصعب مرحلة: بناء أغلبية للتشريع. فالنظام البرازيلي يمنح الرئيس صلاحيات واسعة، لكنه يشترط موافقة الكونغرس على القوانين والميزانيات، والكونغرس فسيفساء من الأحزاب والكتل التي لا تدين بالولاء التلقائي لأي رئيس. ولهذا فإن الرئيس الجديد سيقضي أسابيعه الأولى في التفاوض: توزيع الحقائب، وبناء التحالفات، وتقديم التنازلات، وكلها عمليات تستهلك رأس المال السياسي الذي جلبه الفوز الضئيل أصلاً.
والتاريخ يعلّم أن الرؤساء الذين ينجحون في هذه المرحلة هم من يوسّعون قاعدتهم بسرعة، فيقدّمون إشارات طمأنة إلى من لم يصوّتوا لهم، ويختارون معاركهم بعناية، ويؤجلون الملفات الأكثر إثارة للانقسام إلى حين تثبيت حكمهم. أما من يحكم كأنه فاز بأغلبية ساحقة، فيكتشف سريعاً أن الفوز الضئيل لا يمنح تفويضاً واسعاً، بل يمنح فرصة ضيقة يجب إدارتها بحذر.
الاقتصاد والشارع: معادلة الرئيس المقبل
خلف الانقسام السياسي، تقف معادلة اقتصادية واجتماعية صعبة: فالناخبون يطالبون بتحسن ملموس في حياتهم اليومية، من فرص العمل إلى الخدمات العامة إلى القدرة الشرائية، بينما تواجه الدولة قيوداً مالية تحدّ من قدرتها على الإنفاق. والرئيس المقبل، أياً كان، سيجد نفسه بين مطرقة التوقعات المرتفعة وسندان الموارد المحدودة، وسيكون نجاحه مرهوناً بقدرته على تحقيق نتائج سريعة دون الإخلال بالاستقرار المالي الذي يحمي العملة والاستثمار.
ولهذا فإن الأشهر الأولى من الولاية ستكون حاسمة: فهي الفترة التي يملك فيها الرئيس أكبر قدر من رأس المال السياسي، والتي يحكم فيها الناخبون على جديته من خلال أولى قراراته. فإذا نجح في تقديم إشارات اقتصادية مطمئنة مع إجراءات اجتماعية ملموسة، فقد يوسّع قاعدته ويخفف حدة الانقسام. أما إذا بدا متردداً أو منحازاً لمعسكره فقط، فإن الانقسام سيتعمق، وستتحول الولاية كلها إلى حملة انتخابية مستمرة بدل أن تكون مرحلة حكم.
وفي النهاية، تبقى الحقيقة الأهم هي أن الانتخابات، مهما بلغت حدة الانقسام حولها، هي آلية سلمية لحسم الخلاف، وأن قوتها لا تكمن في النتيجة وحدها، بل في قبول الجميع بها واحترامهم لها. فالبرازيل، بتاريخها الديمقراطي وتجربتها الانتخابية الواسعة، تملك المؤسسات القادرة على إدارة يوم تصويت متقارب، لكن المؤسسات وحدها لا تكفي: فالثقة بها، من المرشحين ومن الناخبين على حد سواء، هي ما يحوّل يوم التصويت من لحظة توتر إلى لحظة تجديد ديمقراطي، وما يجعل الفائز الضئيل رئيساً للجميع لا رئيساً لمعسكره.
المصادر: فرانس 24 (25/10/2026).




