تلقي مرشحة اليمين المتطرف مارين لوبان، بعد ظهر الأحد، خطابها الانتخابي الكبير الأول في مدينة أورليان، معلنة انطلاق حملتها رسمياً قبل ستة أشهر من انتخابات الرئاسة الفرنسية، حيث تُعدّ الأوفر حظاً وفق التقديرات الراهنة. الخطاب الأول في أي حملة رئاسية ليس مجرد حدث إعلامي: إنه اللحظة التي تختار فيها المرشحة نبرتها، وتحدد أولوياتها، وترسم الصورة التي تريد أن يحملها الناخبون عنها طوال الأشهر الستة المقبلة.

ويأتي الخطاب في أجواء مشحونة اجتماعياً واقتصادياً، إذ تتصاعد الاحتجاجات على غلاء المعيشة وتراجع الخدمات العامة، وهي أرضية تستثمرها لوبان منذ سنوات في خطابها السياسي. فبينما تنشغل الحكومة بإدارة الملفات اليومية، تقدّم لوبان نفسها كصوت الذين يشعرون أن حياتهم اليومية باتت أصعب، وأن وعود تحسّن الأوضاع لم تصل إلى جيوبهم.

لماذا يهمّ الخطاب الأول؟

في الحملات الرئاسية الفرنسية، للخطاب الأول وظيفة تتجاوز الإعلان عن الترشح: فهو يحدد القضايا التي ستتصدّر الحملة، والخصوم الذين ستستهدفهم المرشحة، والإشارات التي سترسلها إلى الناخبين المترددين. والمرشح الذي ينجح في خطابه الأول يفرض أجندته على النقاش العام، ويجبر منافسيه على الرد على ملفاته بدل فرض ملفاتهم. أما المرشح الذي يتعثر في البداية، فيقضي أسابيع يحاول تصحيح الانطباع الأول.

وفي بلد يعيش على وقع أزمة قدرة شرائية، ستكون طريقة تناول لوبان لهذا الملف مؤشراً مباشراً على قدرتها على تحويل "التقدّم في الاستطلاعات" إلى فوز فعلي. فالاستطلاعات تقيس المزاج، أما الانتخابات فتقيس القرار، والمسافة بينهما هي ما تصنعه الحملة.

لماذا أورليان؟

أورليان مدينة كبرى في قلب فرنسا، على نهر اللوار، وتاريخها مرتبط بشخصية جان دارك، رمز المقاومة الوطنية في الذاكرة الفرنسية. اختيارها لانطلاق الحملة ليس تفصيلاً جغرافياً: فهو يضع المرشحة في فضاء يوحي بالعمق الوطني والارتباط بالأقاليم، بعيداً عن باريس ونخبها، وقريباً من الناخبين الذين تشعر لوبان أنهم جمهورها الطبيعي.

من هي مارين لوبان؟ مسار سياسي طويل

مارين لوبان ليست وجهاً جديداً في السياسة الفرنسية: فهي تقود اليمين المتطرف الفرنسي منذ سنوات، وخاضت انتخابات الرئاسة مرات عدة، ووصلت إلى الجولة الثانية في مناسبتين، وأعادت تشكيل حزبها وصورته ليصبح قوة انتخابية أولى في كثير من الاستحقاقات. هذا المسار الطويل يمنحها أمرين متناقضين: خبرة انتخابية واسعة وقاعدة ناخبين وفية، وفي الوقت نفسه سجلاً طويلاً يستطيع خصومها استخدامه ضدها.

وتكمن قوتها الحالية في أنها لم تعد مرشحة هامشية، بل مرشحة يُنظر إليها كمنافسة جدية على الرئاسة، وهذا وحده يغيّر طبيعة الحملة: فالناخبون لا يصوّتون لها للاحتجاج فقط، بل لأنهم يتصورونها رئيسة. وهذا التحوّل، من الاحتجاج إلى الحكم المحتمل، هو أصعب اختبار تواجهه أي حركة سياسية صاعدة.

الملفات التي ستحسم الحملة

غلاء المعيشة والقدرة الشرائية

هذا هو الملف الأول بلا منازع. فعندما ترتفع الأسعار وتتراجع الخدمات العامة، يصبح النقاش السياسي نقاشاً حول الحياة اليومية: فاتورة الكهرباء، وسعر الغذاء، وتكلفة التنقل، والقدرة على الادخار. والمرشح الذي يقدّم إجابات مقنعة على هذه الأسئلة، أو حتى يبدو أنه يفهمها، يكسب أذناً صاغية لدى شريحة واسعة من الناخبين.

الهجرة والأمن

وهما الملفان التقليديان لليمين المتطرف، واللذان يعودان بقوة كلما تصاعدت المخاوف الاجتماعية. وتسعى لوبان إلى ربطهما بالملف الاقتصادي: فالهجرة، في خطابها، ليست قضية هوية فقط، بل قضية ضغط على الخدمات العامة وسوق العمل. وسيكون نجاحها في هذا الربط أو فشلها أحد محددات الحملة.

الثقة بالمؤسسات

فالانتخابات الفرنسية الأخيرة أظهرت تآكلاً في الثقة بالأحزاب التقليدية، وصعوداً لقوى تطرح نفسها كبديل للنظام القائم. ولوبان تستثمر هذا المزاج، لكنها تواجه في الوقت نفسه سؤالاً صعباً: كيف تقدّم نفسها كبديل وهي جزء من المشهد السياسي منذ عقود؟

ماذا نراقب بعد ذلك؟

مضمون الوعود وترتيب الأولويات

ما الذي ستضعه لوبان في مقدمة خطابها: الاقتصاد أم الهجرة أم المؤسسات؟ الترتيب نفسه رسالة، وسيقرأه المراقبون والمنافسون بعناية.

ردّ فعل اليسار والشارع

فاليسار ينظّم تجمعات احتجاجية بالتزامن مع الخطاب، وقدرة كل طرف على حشد الشارع ستكون مؤشراً على حرارة الحملة في أشهرها الأولى.

اتجاه الاستطلاعات

فالاستطلاعات في الأسابيع المقبلة ستظهر ما إذا كان الخطاب الأول قد وسّع قاعدة لوبان أم ثبّتها فقط. والتوسيع، لا التثبيت، هو ما يصنع الفوز في الجولة الثانية.

النظام الانتخابي الفرنسي: الجولة الثانية تصنع الرئيس

تُحسم انتخابات الرئاسة الفرنسية بنظام الجولتين: فإذا لم يحصل أي مرشح على الأغلبية المطلقة في الجولة الأولى، يتأهل صاحبا المركزين الأول والثاني إلى جولة ثانية يفوز فيها من يحصل على أصوات أكثر. وهذا النظام يجعل الحملة لعبتين مختلفتين: في الأولى، يسعى كل مرشح إلى تعبئة قاعدته وإثبات أنه الأقوى في معسكره. وفي الثانية، يسعى إلى توسيع قاعدته واستقطاب ناخبي المرشحين المقصيين، وهم غالباً من لا يتفقون معه في كل شيء.

لماذا يتغير التصويت بين الجولتين؟

لأن ناخبي الجولة الأولى يصوّتون أحياناً وفق قناعاتهم الأولى، بينما يصوّتون في الثانية وفق حسابات أوسع: من الأقل سوءاً؟ ومن الأقدر على الحكم؟ ومن الذي يمثّل خطراً أكبر؟ ولهذا فإن المرشح الذي يتصدر الجولة الأولى لا يفوز بالضرورة في الثانية، وقد خسرت شخصيات متصدرة لهذا السبب. والتحدي الأكبر أمام لوبان، إن وصلت إلى الثانية، سيكون إقناع ناخبين لم يصوّتوا لها أصلاً بأنها خيار مقبول للحكم.

"الجبهة الجمهورية" وتآكلها

عرفت فرنسا ظاهرة سياسية سُميت "الجبهة الجمهورية": وهي تجمّع ناخبين من مختلف الاتجاهات في الجولة الثانية لمنع وصول اليمين المتطرف إلى الرئاسة. وقد نجحت هذه الظاهرة في الماضي، لكنها تآكلت مع الوقت: فكلما تكررت، ضعفت حماستها، وكلما شعر الناخبون أن الأحزاب التقليدية تستعملها كبديل عن تقديم برامج مقنعة، قلّ تأثيرها. والسؤال الكبير في هذه الانتخابات هو ما إذا كانت هذه الجبهة ما زالت قادرة على الحشد، أم أن الناخبين باتوا يصوّتون وفق ملفاتهم اليومية أكثر من وفق الاعتبارات الرمزية.

فرنسا في أوروبا: لماذا تراقب العواصم هذه الانتخابات؟

فرنسا ليست دولة أوروبية عادية: فهي، مع ألمانيا، محرك الاتحاد الأوروبي، وصاحبة مقعد دائم في مجلس الأمن، وقوة نووية، وثاني أكبر اقتصاد في منطقة اليورو. ولذلك فإن أي تغيّر في رئاستها لا يبقى شأناً فرنسياً داخلياً، بل يعيد تشكيل التوازنات الأوروبية: من السياسة الاقتصادية إلى الدفاع، ومن الهجرة إلى العلاقة مع واشنطن وموسكو وبكين.

الاقتصاد الأوروبي

ففرنسا شريك تجاري أساسي لجيرانها، ومواقف رئيسها من الميزانية الأوروبية وقواعد الديون والطاقة تؤثر مباشرة على الأسواق وعلى سياسات دول أخرى. ولهذا تتابع العواصم الأوروبية الحملة الفرنسية باهتمام يوازي اهتمامها بانتخاباتها المحلية.

الهجرة والحدود

كما أن فرنسا طرف مركزي في نقاش الهجرة الأوروبي، وأي تشدد فرنسي في هذا الملف سينعكس على سياسات الحدود المشتركة وعلى علاقات فرنسا بدول العبور والمصدر. وهذا ما يجعل خطاب لوبان في هذا الملف محل مراقبة تتجاوز الحدود الفرنسية.

خريطة الأشهر الستة: كيف تتطور الحملات عادة

تمر الحملات الرئاسية عادة بمراحل متوقعة: مرحلة الإطلاق وتحديد النبرة، ثم مرحلة البرامج والتفاصيل، ثم مرحلة المناظرات والمواجهات المباشرة، ثم مرحلة الحسم حيث تتكثف الاستطلاعات وتتغير التحالفات. وفي كل مرحلة، تتغير أسئلة الناخبين: من "من أنت؟" إلى "ماذا ستفعل؟" إلى "هل أثق بك؟". والمرشح الناجح هو من يجيب على السؤال الصحيح في الوقت الصحيح، لا من يكرر الإجابة نفسها ستة أشهر.

معارك الناخبين المترددين: الريف والشباب والنساء

تُحسم الانتخابات الفرنسية عادة عند الهوامش: الناخبون المترددون، والذين يمتنعون عادة، والذين يغيرون رأيهم في الأسابيع الأخيرة. ولهذا فإن الحملات لا تخاطب قواعدها فقط، بل الفئات التي يمكن أن ترجّح الكفة. ومن أهم هذه الفئات ثلاث: سكان الريف والمدن الصغيرة، والشباب، والنساء. وكل فئة لها همومها ولغتها، والمرشح الذي يجد اللغة المناسبة لكل منها دون أن يتناقض مع نفسه يكسب أرضاً حاسمة.

الريف والمدن الصغيرة

يشعر كثير من سكان الريف والمدن الصغيرة أن الخدمات العامة تتراجع عندهم: إغلاق مكاتب ومستشفيات وخطوط نقل، وتركز الاستثمار في المدن الكبرى. وهذا الشعور بالإهمال أرض خصبة لخطاب يقول إن باريس نسيت الأقاليم. ولوبان، التي بنت جزءاً من قوتها في هذه المناطق، ستسعى إلى تعزيز هذا الارتباط، بينما سيسعى منافسوها إلى إثبات أنهم يقدمون حلولاً عملية لا شعارات.

الشباب

أما الشباب، فيواجهون سوق عمل صعبة وأسعار سكن مرتفعة وشعوراً بعدم اليقين حول المستقبل. وهم أقل ولاءً للأحزاب التقليدية من الأجيال الأكبر، وأكثر تأثراً بوسائل التواصل الاجتماعي، حيث تنتشر الرسائل القصيرة والمقاطع المؤثرة أكثر من البرامج الطويلة. والحملة التي تفهم لغة الشباب دون أن تتخلى عن مضمونها ستكون لها ميزة حقيقية.

النساء

وتُعدّ النساء فئة حاسمة، لأنهن يمثلن أغلبية الناخبين، ولأن أولوياتهن، من القدرة الشرائية إلى الخدمات الصحية والتعليم، غالباً ما تكون عملية ومباشرة. ولوبان، كمرشحة، تسعى إلى تقديم صورة تجمع بين الحزم والاهتمام بالحياة اليومية، وهو توازن دقيق: فالمبالغة في الحزم تنفّر، والمبالغة في العاطفة تضعف صورة القائدة. وكيف ستدير هذا التوازن في الأشهر المقبلة سيكون من أكثر جوانب الحملة إثارة للمراقبة.

وفي النهاية، فإن الانتخابات لا يحسمها الخطاب الأول وحده، ولا الاستطلاعات، بل قدرة الحملة على البقاء حاضرة في حياة الناخبين اليومية ستة أشهر كاملة، دون أن تفقد نبرتها أو تتورط في أخطاء تكلفها غالياً. وخطاب أورليان كان مجرد البداية.

المناظرات: اللحظة التي يتغير فيها كل شيء

في الحملات الرئاسية الفرنسية، للمناظرات المتلفزة وزن خاص: فهي اللحظة التي يرى فيها الناخبون المرشحين وجهاً لوجه، دون وسيط ودون خطاب مكتوب. وفيها تُختبر القدرة على الإقناع تحت الضغط، والتمكن من الأرقام، والهدوء أمام الهجوم. ومناظرة واحدة جيدة قد ترفع مرشحاً، وزلة واحدة قد تكلفه أسابيع من العمل. ولهذا تستعد الحملات للمناظرات كما تستعد الفرق الرياضية للمباريات النهائية، وتدرب مرشحيها على أصعب الأسئلة المتوقعة.

وبالنسبة للوبان، تمثل المناظرات اختباراً مزدوجاً: فهي فرصة لإثبات أنها جاهزة للحكم، وخطر أن تُحصر في صورة المرشحة ذات الملف الواحد. وكيف ستدير هذا التوازن عندما تواجه منافسيها مباشرة سيكون من أكثر لحظات الحملة حسماً، وسيتابعها ملايين الناخبين الذين لم يحسموا رأيهم بعد.

خلاصة القول: إن خطاب أورليان لم يكن سوى الصفحة الأولى من كتاب ستُكتب فصوله على مدى ستة أشهر، وستتخلله مناظرات واستطلاعات وأحداث غير متوقعة قد تقلب المعادلة في أي لحظة. والمرشحة التي بدأت حملتها متصدرة ليست بالضرورة من سينهيها متصدرة، والتاريخ الانتخابي الفرنسي مليء بانقلابات اللحظة الأخيرة. ولهذا فإن المتابعة الحقيقية تبدأ الآن، وليس في الأسبوع الأخير.

المصادر: فرانس 24 (25/10/2026).