حذّرت دراسة حديثة من أن نهر ثويتس الجليدي في غرب أنتاركتيكا، الملقّب بـ"نهر الجليد المروع"، قد يتسبب في ارتفاع مستوى البحار بوتيرة أكبر بكثير مما كان متوقعاً، لأن النماذج المستخدمة حالياً لتقدير سرعة ذوبانه قد تقلّل من شأن بعض الآليات الحاسمة في تراجعه. وإذا صحّ هذا التحذير، فإن التقديرات العالمية لارتفاع البحار في العقود المقبلة، التي تُبنى عليها خطط المدن الساحلية واستثمارات البنية التحتية، قد تكون أقل من الواقع بشكل منهجي، لا بخطأ عابر.

ويُعدّ ثويتس من أكثر عناصر التنبؤ بمستوى البحار حساسية في العالم، إذ إن استقراره يؤثر مباشرة على تقديرات ارتفاع البحار العالمية. فهو ليس مجرد نهر جليدي بعيد في قارة لا يسكنها أحد، بل مفتاح لتوازن جزء كبير من القارة القطبية الجنوبية، وأي تغيّر في سلوكه ينعكس، عبر سلسلة من التفاعلات، على شواطئ بعيدة عنه بآلاف الكيلومترات.

ما هو نهر ثويتس؟

ثويتس نهر جليدي ضخم في غرب أنتاركتيكا، غالباً ما تُقارن مساحته بمساحة ولاية فلوريدا الأمريكية، ويصبّ في بحر أموندسن. وهو ليس كتلة جليدية ساكنة، بل نهر متحرك ببطء: فالجليد يتدفق من داخل القارة نحو البحر، حاملاً معه كميات هائلة من المياه المتجمدة. وما دام هذا التدفق متوازناً مع تساقط الثلوج فوقه، يبقى النهر مستقراً. لكن عندما يختل التوازن، ويذوب الجليد عند حافته أسرع مما يتجدد، يبدأ النهر في التراجع، ويتحول من مخزن للمياه إلى مصدر لارتفاع البحار.

ولفهم حجم المسألة، يكفي أن نعرف أن ذوبان ثويتس وحده، لو حدث كاملاً، سيرفع مستوى البحار العالمية بمقدار كبير، لكن الخطر الأكبر ليس في ثويتس وحده، بل في ما يحجزه خلفه: فهو يعمل كسدّ طبيعي يحجز كتلاً جليدية أخرى في الداخل، وإذا ضعف هذا السد، فإن ما خلفه يصبح عرضة للانزلاق نحو البحر أيضاً.

لماذا يُسمى "نهر الجليد المروع"؟

اللقب ليس مبالغة إعلامية، بل يعكس حقيقة علمية مقلقة: فثويتس يقع في منطقة من غرب أنتاركتيكا حيث قاع الأرض ينحدر نحو الداخل، أي أن الأرض تحت الجليد تصبح أعمق كلما اتجهنا إلى داخل القارة. وهذا الشكل الطبوغرافي خطير، لأنه يعني أن تراجع خط التماس بين الجليد والبحر يكشف عن جليد أسمك وأعمق، مما يسرّع التدفق بدل إبطائه. والعلماء يسمون هذه الآلية "عدم الاستقرار البحري للغطاء الجليدي"، وهي آلية قد تتحول، إذا تجاوزت نقطة معينة، إلى تراجع ذاتي التعزيز لا يمكن إيقافه بسهولة.

بوابة غرب أنتاركتيكا

يوصف ثويتس أحياناً بأنه بوابة غرب أنتاركتيكا، لأن استقراره يحمي ما خلفه من أنهار جليدية. فإذا تراجعت هذه البوابة، فإن الأنهار المجاورة تفقد دعمها الجانبي وتبدأ في التسارع بدورها. ولهذا فإن العلماء لا يراقبون ثويتس وحده، بل يراقبون المنطقة كلها كمنظومة واحدة، ويعرفون أن ما يحدث عند الحافة قد يحدد مصير الداخل.

لماذا قد تكون النماذج مخطئة؟

تراجع الجليد ليس عملية منتظمة: فمياه البحر التي تنخر قاعدة الجليد، وتكسّر الجروف الجليدية، وتسارع تدفق الجليد، كلها آليات تتفاعل وتضاعف أثر بعضها بعضاً. وإذا أخطأت النماذج في تقدير إحدى هذه الحلقات، فإن التوقع الكلي يصبح أقل من الواقع بشكل منهجي. والدراسة الحديثة تشير إلى أن النماذج الحالية قد تقلّل من شأن بعض هذه الآليات، مما يعني أن وتيرة التراجع الفعلية قد تكون أسرع من المتوقع، وأن ارتفاع البحار الناتج قد يبلغ ضعف التقديرات السابقة.

مياه دافئة تنخر القاعدة

الآلية الأولى هي وصول مياه بحر دافئة نسبياً إلى قاعدة النهر الجليدي، حيث تذيب الجليد من الأسفل وتفصل تماسكه عن قاع الأرض. وهذا الذوبان الخفي، الذي لا يُرى من السطح، هو الأخطر لأنه يضعف النهر من حيث لا ينتبه المراقب، ويجعل خط التماس يتراجع إلى الداخل دون أن يظهر ذلك فوراً في صور الأقمار الصناعية السطحية.

تكسّر الجروف وتسارع التدفق

والآلية الثانية هي تكسّر الجروف الجليدية عند حافة النهر: فعندما تضعف القاعدة، تتشقق الجبهة الجليدية وتتفكك إلى جبال جليدية، فيفقد النهر جزءاً من كتلته ويتسارع تدفقه لتعويضها. وكلما تسارع التدفق، زادت كمية الجليد التي تصل إلى البحر، وزاد ارتفاع منسوبه. وهكذا تتغذى الآليتان على بعضهما بعضاً في حلقة يصعب كسرها.

حلقات تتفاعل وتضاعف الأثر

والنقطة الجوهرية التي تشير إليها الدراسة هي التفاعل: فالنماذج التي تعالج كل آلية على حدة قد تصيب في كل واحدة منها، لكنها تخطئ في المجموع إذا أهملت الطريقة التي تضاعف بها الآليات أثر بعضها بعضاً. وهذا هو الفرق بين توقع خطي وتوقع منهجي: فالأول يجمع الأرقام، والثاني يفهم أن النظام كله قد ينتقل إلى حالة جديدة أسرع مما توحي به أجزاؤه.

ماذا يعني ذلك للمدن الساحلية؟

ارتفاع البحار ليس رقماً مجرداً في تقرير علمي، بل متغير يدخل في كل قرار تخطيطي للمدن الساحلية: ارتفاع الجدران البحرية، وتصميم شبكات الصرف، ومواقع محطات الطاقة، وأسعار التأمين، وقيمة العقارات. فإذا كانت التقديرات الحالية أقل من الواقع، فإن كثيراً من هذه القرارات قد تكون مبنية على افتراض متفائل، وستحتاج إلى مراجعة مكلفة. والأسوأ أن البنية التحتية تُبنى لعقود، فالخطأ في التقدير اليوم يدفع ثمنه جيل كامل غداً.

كما أن ارتفاع البحار لا يضرب كل السواحل بالتساوي: فتيارات المحيطات، وحركة الأرض نفسها، والعواصف، كلها تجعل بعض المناطق أكثر عرضة من غيرها. ولهذا فإن التحذير من ثويتس لا يعني أن كل شاطئ سيرتفع بالمقدار نفسه، بل يعني أن الهامش الآمن الذي اعتمدته المدن في تخطيطها قد يكون أضيق مما ظنت، وأن مراجعة الخطط باتت ضرورة لا ترفاً.

ماذا نراقب بعد ذلك؟

هل سترفع الدراسات اللاحقة تقديرات ارتفاع البحار؟

فإذا أكدت دراسات مستقلة أن النماذج تقلّل من وتيرة التراجع، فإن التقديرات الرسمية العالمية ستُراجع صعوداً، وستتغير معها كل الخطط المبنية عليها.

هل ستعيد المدن الساحلية حساب خططها الدفاعية؟

فالمدن التي تخطط لجدران بحرية وشبكات صرف على مدى عقود ستكون أول من يشعر بالحاجة إلى إعادة الحساب، وأول من يدفع ثمن التأخر.

هل ستمنح هذه التحذيرات زخماً جديداً لمفاوضات المناخ؟

فكل تحذير علمي جديد يعيد إلى الواجهة سؤالاً قديماً: هل يتحرك العالم بالسرعة الكافية لخفض الانبعاثات؟ وبالنسبة للمناطق الساحلية، لم يعد هذا تحذيراً بعيداً بل متغيراً يجب إدخاله في التخطيط اليوم.

كيف يدرس العلماء نهراً في أقاصي الأرض؟

دراسة ثويتس تحدٍّ لوجستي بحد ذاته: فالنهر يقع في واحدة من أبعد مناطق الكوكب وأقساها مناخاً، حيث العواصف شديدة، والجليد متحرك، والوصول إليه يتطلب بعثات مكلفة وطائرات وسفن كاسحات جليد. ولهذا يعتمد العلماء على مزيج من الأدوات: أقمار صناعية تقيس ارتفاع الجليد وسرعة تدفقه، ورادارات تخترق الجليد لرسم قاعه، وروبوتات تحت مائية تصل إلى حيث لا يصل البشر، لقياس حرارة المياه تحت الجليد وملوحتها.

وكل أداة من هذه الأدوات لها حدودها: فالأقمار الصناعية ترى السطح لا القاعدة، والرادارات تحتاج إلى طائرات تحلق فوق العواصف، والروبوتات تحت المائية تعمل في ظلام وبرد قارسين، وقد تُفقد في أي لحظة. ولهذا فإن فهم ثويتس يتقدم ببطء، عبر تجميع أجزاء من الصورة من مصادر متعددة، وكل بعثة جديدة تضيف قطعة، لكنها تكشف أيضاً عن أسئلة جديدة. وهذا البطء في الفهم جزء من سبب اختلاف التقديرات: فالعلماء يبنون نماذجهم على بيانات ناقصة، وكلما تحسّنت البيانات، تغيّرت النماذج.

أنتاركتيكا كلها على المحك؟

من المهم التمييز بين غرب أنتاركتيكا وشرقها: فالشرق يحتوي على كتلة جليدية أكبر وأكثر استقراراً، لأن قاعها يرتفع نحو الداخل، مما يجعلها أقل عرضة لآلية عدم الاستقرار البحري. أما الغرب، حيث يقع ثويتس، فقاعه ينحدر نحو الداخل، مما يجعله أكثر هشاشة. ولهذا فإن التحذيرات تتركز على الغرب، لا على القارة كلها بالتساوي، لكن الغرب وحده يحتوي على ما يكفي من الجليد لرفع البحار العالمية بأمتار إذا ذاب كله، وهو ما يجعل استقراره مسألة عالمية لا إقليمية.

كما أن ذوبان أنتاركتيكا لا يحدث في فراغ: فارتفاع البحار يتفاعل مع ذوبان غرينلاند وتمدد مياه المحيطات مع ارتفاع حرارتها، وكلها عوامل تجتمع لتحديد المنسوب النهائي. ولهذا فإن مراجعة تقديرات ثويتس وحدها قد لا تكفي: فالعلماء يراجعون باستمرار كل مكونات المعادلة، وكل مراجعة صعوداً في أحدها ترفع المجموع الكلي، حتى لو بقيت المكونات الأخرى ثابتة.

من العلم إلى القرار: لماذا يصعب التحرك؟

أصعب ما في قضية ثويتس ليس العلم، بل الزمن: فذوبان الأنهار الجليدية عملية بطيئة بمقاييس السياسة، سريعة بمقاييس الجيولوجيا. فالسياسيون يفكرون بدورات انتخابية من أربع أو خمس سنوات، بينما الجليد يتحرك على مدى عقود وقرون. وهذا التفاوت يجعل من السهل تأجيل القرارات الصعبة، بحجة أن الخطر بعيد، حتى عندما يقول العلم إن القرارات المتأخرة تصبح أكثر كلفة مع الوقت.

كما أن عدم اليقين نفسه يُستخدم ذريعة للتأجيل: فعندما يقول العلماء إن التقديرات قد تكون أقل من الواقع، يرد البعض بأن العلم غير مؤكد أصلاً، وبالتالي لا داعي للتحرك. لكن هذا المنطق مقلوب: فعدم اليقين في اتجاه واحد، نحو الأسوأ، هو سبب للتحرك لا للتأجيل، لأن تكلفة الاستعداد الزائد أقل بكثير من تكلفة المفاجأة. وهذا هو الدرس الذي تحمله دراسة ثويتس إلى صانعي القرار: أن الانتظار حتى اليقين الكامل يعني الانتظار حتى فوات الأوان.

ما الذي يمكن فعله فعلاً؟

أمام تحذير كهذا، ينقسم الرد إلى مسارين لا غنى عن أحدهما: التخفيف والتكيّف. فالتخفيف يعني خفض الانبعاثات التي ترفع حرارة الكوكب وتدفئ المحيطات، وهو مسار طويل الأمد يتطلب تعاوناً دولياً وقرارات صعبة في الطاقة والصناعة والنقل. أما التكيّف فيعني الاستعداد للارتفاع الذي أصبح حتمياً جزئياً، عبر رفع الجدران البحرية وتحسين شبكات الصرف وإعادة تخطيط المناطق الساحلية الأكثر عرضة. والمساران متكاملان: فبدون تخفيف، يصبح التكيّف مستحيلاً مع الوقت، وبدون تكيّف، يدفع السكان ثمن التغيرات التي حدثت فعلاً.

والدرس الأهم من ثويتس هو أن العلم لا ينتظر السياسة: فالجليد يتحرك وفق قوانين الفيزياء، لا وفق جداول الانتخابات والمفاوضات. وكل سنة تأخير في التخفيف تعني ارتفاعاً أكبر يجب التكيّف معه لاحقاً، وكل استثمار في التكيّف اليوم يوفر أضعافه من الخسائر غداً. ولهذا فإن التحذير من نهر جليدي بعيد في أنتاركتيكا هو في الحقيقة دعوة إلى قرارات قريبة في كل عاصمة ساحلية.

وفي النهاية، يبقى نهر ثويتس تذكيراً بأن أكبر التغيرات قد تبدأ من أبعد الأماكن وأهدئها: فنهر جليدي لا يسكنه أحد، في قارة لا يزورها إلا القليلون، قد يحدد مصير مدن يعيش فيها الملايين. وهذا الترابط، بين البعيد والقريب، وبين البطيء والعاجل، هو جوهر أزمة المناخ كلها: فما يحدث في أنتاركتيكا اليوم لا يبقى في أنتاركتيكا، بل يسافر عبر المحيطات إلى كل شاطئ، وعبر العقود إلى كل جيل قادم، ويضع أمامنا سؤالاً لا مفر منه: هل نتحرك ونحن نملك الوقت، أم ننتظر حتى يتحرك الجليد بدلاً منا؟

المصادر: تقارير علمية عالمية (25/10/2026).