مقدمة: عطلة نهاية أسبوع ثانية أقل عنفاً
أعلنت وزارة الداخلية الفرنسية يوم الأحد أن السلطات أوقفت 1314 شخصاً خلال مظاهرات نُظمت يوم السبت في أنحاء البلاد، بينما أصيب 53 من أفراد قوات الأمن، وذلك في حصيلة مؤقتة تشير إلى تراجع حاد في أعمال العنف مقارنة بيوم التعبئة الأول في 17 أكتوبر. وكان ذلك اليوم قد شهد توقيف 2628 شخصاً وإصابة 1144 من أفراد قوات الأمن، وفق الأرقام الرسمية نفسها. كما تراجعت أعمال النهب والحرائق بشكل كبير: فقد نُهبت 24 متجراً يوم السبت، مقابل 1522 متجراً في الأسبوع السابق، أي بانخفاض يزيد على 98 بالمئة، بينما سجلت فرق الإطفاء 75 تدخلاً مرتبطاً بالحرائق، مقابل 2025 تدخلاً في 17 أكتوبر.
وهذه الأرقام، رغم أنها لا تلغي حقيقة وقوع صدامات واعتقالات واسعة، فإنها ترسم صورة مختلفة عن الأسبوع الأول: تعبئة ما زالت كبيرة، لكنها أكثر انضباطاً، وجهاز أمني أكثر استعداداً، وعنف أقل انتشاراً. وقد وصف وزير الداخلية لوران نونيز النتائج الإجمالية بأنها إيجابية، معتبراً أن التدابير الأمنية المتخذة حالت دون تكرار أعمال النهب الواسعة والأضرار بالمباني العامة التي شهدها الأسبوع السابق.
من خرج إلى الشوارع، وبأي أعداد؟
شارك في مظاهرات السبت، وفق وزارة الداخلية، نحو 410 آلاف شخص في أنحاء البلاد، بينهم 110 آلاف في باريس، وذلك ضمن 289 تحركاً في الشوارع، مقابل 441 فعالية و550 ألف متظاهر في 17 أكتوبر. أما النقابات، ولا سيما الكونفدرالية العامة للشغل التي ساعدت في تنظيم بعض المسيرات، فقد قدرت المشاركة بنحو 800 ألف شخص على المستوى الوطني، بينهم 250 ألفاً في العاصمة. وهذا التباين بين الأرقام الرسمية والنقابية ليس جديداً في فرنسا، بل هو سمة متكررة في كل موجة احتجاجية كبرى، حيث يميل كل طرف إلى قراءة حجم التعبئة وفق موقعه: الحكومة تسعى إلى إظهار التراجع، والنقابات تسعى إلى إظهار الاستمرارية والزخم.
أما من حيث المطالب، فقد خرج المتظاهرون احتجاجاً على ارتفاع تكاليف المعيشة والمطالبة بتمويل أكبر للخدمات العامة، بما في ذلك المدارس، والدفاع عن الحريات المدنية. وضمّت المسيرات عمالاً وطلاباً ومتقاعدين جنباً إلى جنب، وهو مزيج اجتماعي يعكس اتساع رقعة الاستياء، وإن كان بدرجات متفاوتة من التنظيم والانتماء النقابي. فالاحتجاج هنا ليس تحركاً فئوياً واحداً، بل التقاء مطالب متعددة: القدرة الشرائية، والخدمات العامة، والشعور بأن الأعباء الاقتصادية لا تُوزع بعدالة.
جهاز أمني ضخم وصدامات على الهوامش
لمواجهة احتمال تكرار أعمال الشغب والنهب التي وقعت في عطلة نهاية الأسبوع السابقة، حشدت السلطات 70 ألفاً من عناصر قوات الأمن، بينهم وحدات نخبة. وقد مرت كثير من الفعاليات بهدوء، لكن صدامات اندلعت على هوامش المسيرات في مدن كبرى مثل نانت ورين ومرسيليا وباريس. وقال وزير الداخلية إن أعضاء جماعات من أقصى اليسار رشقوا الشرطة بالألعاب النارية والمقذوفات، وهو اتهام يلقي بمسؤولية العنف على مجموعات محددة، لا على عموم المتظاهرين.
وفي مرسيليا، أوقفت الشرطة 71 شخصاً، بينهم 40 بالغاً، ووُضع 61 منهم رهن الاحتجاز، بينما تعرضت سبع شركات للنهب أو التخريب. ومع ذلك، وصف رئيس بلدية مرسيليا بنوا بايان المظاهرة بأنها "سلمية"، معتبراً أن الحوادث الطفيفة في نهاية المسيرة تمثل تحسناً كبيراً مقارنة بعنف 17 أكتوبر الذي شهد نهب عدة شركات. وفي باريس، أفادت محافظة الشرطة بتوقيف 142 شخصاً، ووضع 126 منهم رهن الاحتجاز، بينما تضرر متجران ونُهب متجر واحد، قبل أن تمنع الشرطة المزيد من الاختراقات.
كما سُجلت إصابات خطيرة في اليد لدى متظاهرين في كليرمون فيران وتولوز، رغم أن المسؤولين أكدوا عدم فقدان أي أصابع في أي من الحالتين. وأعلنت الوزارة فتح عدة تحقيقات، دون تقديم تفاصيل، ودون تحديد عدد المتظاهرين المصابين، وهو نقص في البيانات يترك مجالاً للتأويل، ويغذي الجدل حول حصيلة العنف من الجانبين.
السياق السياسي: نهاية ولاية وانتخابات مقبلة
تأتي هذه الاحتجاجات في لحظة سياسية حساسة: ففرنسا تستعد لانتخابات رئاسية في أبريل ومايو لاختيار خليفة للرئيس إيمانويل ماكرون، الذي يصل إلى نهاية ولايته الثانية. وفي هذا السياق، يكتسب كل تحرك اجتماعي بعداً انتخابياً مضاعفاً: فالحكومة تسعى إلى إظهار قدرتها على حفظ النظام دون قمع الحق في التظاهر، والمعارضة تسعى إلى تقديم الاحتجاجات دليلاً على فشل السياسات الاقتصادية والاجتماعية، والنقابات تسعى إلى فرض مطالبها على جدول أعمال المرشحين قبل أن يُحسم.
ومن المقرر أن يلتقي رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو بقادة الطلاب يوم الاثنين 26 أكتوبر في قصر ماتينيون في باريس، بحضور وزير التعليم إدوار جيفري ووزير التعليم العالي فيليب بابتيست، على أن يعقد الوزيران مؤتمراً صحفياً في وقت لاحق من بعد الظهر. وكان ماكرون قد التقى ممثلين عن طلاب المدارس الثانوية يوم الجمعة، وقال الطلاب، وفق ما نقل عنهم، إنه وعدهم بإصلاح شامل لنظام القبول الجامعي. لكنهم يريدون استمرار الاحتجاجات حتى تُعلن تدابير ملموسة، وهو ما يعني أن اللقاءات الحكومية، وحدها، قد لا تكفي لتهدئة الشارع إذا لم تترجم إلى قرارات واضحة وقابلة للقياس.
لماذا تراجع العنف هذه المرة؟
هناك عدة تفسيرات محتملة للتراجع الحاد في أرقام العنف، ولا يمكن الجزم بأي منها دون بيانات إضافية. أولاً، الحشد الأمني الضخم نفسه: فوجود 70 ألف عنصر، مع انتشار استباقي، يرفع كلفة أي محاولة نهب أو تخريب، ويمنح الشرطة قدرة أكبر على عزل المجموعات العنيفة عن المسيرات السلمية. وثانياً، التعلم التنظيمي: فالمنظمون، بعد أسبوع أول شهد أعمال نهب واسعة أضرت بصورة الاحتجاج، قد يكونون أكثر حرصاً على الانضباط، لأن العنف، في نظر كثير من الفرنسيين، يضعف التعاطف مع المطالب المشروعة.
وثالثاً، طبيعة المطالب نفسها: فعندما يكون الاحتجاج حول القدرة الشرائية والخدمات العامة، فإنه يجذب شرائح واسعة، بينها عائلات ومتقاعدون، وهذه الشرائح أقل ميلاً إلى المواجهة من المجموعات الصغيرة المتشددة. ورابعاً، قد يكون التراجع في الأرقام الرسمية للعنف انعكاساً جزئياً لتراجع أعداد المشاركين، وفق التقديرات الرسمية، من 550 ألفاً إلى 410 آلاف. لكن حتى مع أخذ هذا التراجع في الحسبان، فإن انخفاض النهب بنسبة تزيد على 98 بالمئة وانخفاض تدخلات الحرائق من 2025 إلى 75 يظل أكبر بكثير من انخفاض المشاركة، مما يشير إلى تغيير حقيقي في ديناميكية اليوم، لا مجرد أثر إحصائي.
أوروبا تشهد عطلة نهاية أسبوع احتجاجية أيضاً
لم تكن فرنسا وحدها مسرحاً للاحتجاجات يوم السبت. ففي إيطاليا، خرج آلاف المتظاهرين في ميلانو وروما وتورينو ونابولي وبولونيا وفلورنسا، ورشق بعضهم الشرطة بالزجاجات والحجارة والمفرقعات. وقالت الشرطة الإيطالية إنها نفذت تسعة اعتقالات واحتجزت 371 شخصاً لفترة وجيزة خلال مظاهرات في ثماني مدن، بينهم 110 قاصرين، بينما شكرت رئيسة الوزراء جورجيا ميلوني قوات الأمن على الحفاظ على النظام العام وحماية الحق في الاحتجاج السلمي رغم محاولات ما وصفتهم بأفراد عنيفين لإثارة الصدامات.
وفي إسبانيا، طالب متظاهرون في مدريد بربط زيادات المعاشات بالتضخم الفعلي، ورفع الحد الأدنى للمعاشات بما يتماشى مع الحد الأدنى للأجور، واتخاذ تدابير لسد فجوة المعاشات بين الجنسين، وتوفير ضمانات ضد خصخصة نظام المعاشات العامة. وفي البرتغال، برزت مسألة القدرة على تحمل تكاليف السكن كمطلب مركزي، مع خروج متظاهرين إلى الشوارع وسط مخاوف من ارتفاع أسعار السكن. وهذا المشهد الأوروبي الأوسع يشير إلى أن الغضب بشأن تكاليف المعيشة ليس ظاهرة فرنسية حصرية، بل موجة قارية تتغذى على ضغوط اقتصادية مشتركة، وإن اختلفت أشكالها ومطالبها من بلد إلى آخر.
ما الذي يجب مراقبته؟
أولاً، نتائج لقاء رئيس الوزراء مع قادة الطلاب يوم الاثنين، وما إذا كان سيحمل إعلانات ملموسة أم مجرد وعود عامة. وثانياً، أرقام المشاركة في عطلة نهاية الأسبوع المقبلة: هل يستمر التراجع الرسمي، أم تستعيد التعبئة زخمها؟ وثالثاً، مسار التحقيقات التي أعلنت الوزارة فتحها، وما إذا كانت ستؤدي إلى محاكمات تُلقي الضوء على المسؤوليات الفردية في أعمال العنف. ورابعاً، موقف المرشحين للانتخابات الرئاسية من المطالب الاجتماعية، ولا سيما القدرة الشرائية وتمويل الخدمات العامة، لأن الاحتجاجات، في نهاية المطاف، ليست مجرد أرقام توقيفات، بل رسالة سياسية ستُقرأ في صناديق الاقتراع في الربيع المقبل. وخامساً، قدرة الحكومة على الحفاظ على التوازن الدقيق بين حق التظاهر السلمي ومنع أعمال النهب والتخريب، لأن أي إفراط في القوة قد يعيد إشعال الغضب، بينما أي تراخٍ قد يفتح الباب أمام تكرار مشاهد الأسبوع الأول. فالتحدي الفرنسي اليوم ليس أمنياً فقط، بل سياسي واجتماعي: كيف تستمع الدولة إلى شارع غاضب دون أن تفقد السيطرة على الشارع نفسه؟
المصادر: MENAFN / Yeni Şafak / CNBC TV18 / AFP via Seneweb, 25–26 October 2026.




