مقدمة: يوم دامٍ رغم وقف إطلاق النار
قُتل ثمانية فلسطينيين على الأقل، بينهم طفلة في الثامنة من عمرها، وأصيب آخرون، في هجمات إسرائيلية في أنحاء قطاع غزة يوم الأحد، رغم اتفاق وقف إطلاق النار الساري. وكان أبرز هذه الهجمات غارة بطائرة مسيّرة على الجامعة الإسلامية في مدينة غزة، أسفرت عن مقتل ثلاثة من العاملين في الجامعة وإصابة عدد من الطلاب، في حادث أعاد إلى الواجهة مصير المؤسسات التعليمية في القطاع، التي تعرضت لدمار واسع خلال الحرب، وأثار إدانات فلسطينية واسعة.
ووفق مستشفى الشفاء في مدينة غزة، استقبل المستشفى ثلاث جثث وعالج ثمانية جرحى جراء الغارة على الجامعة، بينما أفاد مصدران في الجامعة بأن القتلى من الموظفين الإداريين وأن الجرحى من الطلاب. وحددت وسائل إعلام فلسطينية القتلى الثلاثة بأسماء: سامي برود، وأشرف دحلان، وشادي أبو عطايا. وفي الوقت نفسه، أشار مراسل الجزيرة في مدينة غزة إلى أن القتلى الثلاثة كانوا من حراس الأمن في الجامعة، وهو اختلاف في توصيف الوظيفة لا يغير الحقيقة المركزية: ثلاثة رجال يعملون في الجامعة قُتلوا في مكان عملهم، في يوم كان فيه الطلاب داخل الحرم الجامعي.
ما حدث في الجامعة الإسلامية
وفق الروايات المتطابقة في جوهرها، تعرض حرم الجامعة الإسلامية في جنوب غرب مدينة غزة لضربتين يوم الأحد. فقد استهدفت طائرة مسيّرة إسرائيلية، في البداية، تجمعاً للطلاب داخل الحرم، مما أدى إلى إصابة عدد منهم، بعضهم في حالة حرجة، ودفع الجامعة إلى إعلان تعليق الأنشطة الإدارية والأكاديمية في فرعها في غزة يوم الأحد. ثم أعقبت ذلك ضربة ثانية أسفرت عن مقتل العاملين الثلاثة وإصابة آخرين. وأدانت الجامعة الهجمات ونعت قتلاها، بينما أدانت وزارة التربية والتعليم التي تديرها حماس في غزة الغارة، قائلة إن "الصمت العالمي إزاء الهجمات على الطلاب والجامعات يشجع على استمرار هذه الجرائم".
من جانبها، قالت القوات الإسرائيلية، رداً على استفسار صحفي، إن الغارة استهدفت عنصراً في الجناح العسكري لحماس داخل الجامعة، وإن الذخيرة حُوّلت عن مسارها بعد رصد أشخاص غير مشاركين في المنطقة، بهدف تقليل الضرر بهم. ولم يتضح ما إذا كان المستهدف من بين القتلى. وهذا التباين بين الروايتين — استهداف مقاتل مزعوم من جهة، ومقتل موظفين وجرح طلاب من جهة أخرى — هو نمط متكرر في تغطية الحرب، حيث يصعب التحقق المستقل الفوري من كل ادعاء، وتبقى الحصيلة البشرية المؤكدة من المستشفيات هي النقطة الأكثر ثباتاً.
قتلى آخرون في أنحاء القطاع
لم تقتصر هجمات الأحد على الجامعة. ففي مدينة غزة، قُتل فوزي الصوارقة، البالغ من العمر 54 عاماً، في غارة بطائرة مسيّرة في شمال غرب المدينة، قرب مستشفى حمد، وفق وكالة وفا الفلسطينية، التي أفادت بأن الغارة استهدفت تجمعاً للمدنيين قرب المستشفى وأصابت عدة أشخاص، بعضهم في حالة حرجة. وفي وسط القطاع وجنوبه، قُتل الشقيقان علاء ونبيل أبو زيد في غارة قرب المنطقة الصناعية في خان يونس، في منطقة المواصي التي كانت تُعرف سابقاً بأنها منطقة إنسانية، مما أدى أيضاً إلى إصابة خمسة فلسطينيين، وفق مصادر طبية نقلت عنها وكالة وفا.
وفي شرق دير البلح، قُتل حمدان أبو عمرة، البالغ من العمر 33 عاماً، في هجوم بطائرة مسيّرة في منطقة المزرعة. أما الطفلة فاطمة البيوك، البالغة من العمر ثماني سنوات، فقد توفيت متأثرة بجراح أصيبت بها جراء إطلاق نار إسرائيلي شرق دير البلح. وكانت فاطمة، وفق وزارة التربية والتعليم في غزة، الناجية الوحيدة من عائلتها بعد مقتل أفرادها في غارة على منزلهم في أواخر عام 2023. وهذه التفاصيل الفردية، رغم قسوتها، تذكّر بأن الأرقام الإجمالية ليست مجرد إحصاءات، بل قصص عائلات كاملة تغيرت إلى الأبد.
كما تزامنت الهجمات مع هدم مبانٍ سكنية في البريج وبيت لاهيا، وقصف مدفعي كثيف وإطلاق نار من آليات عسكرية وزوارق حربية إسرائيلية استهدف المناطق الساحلية والأحياء السكنية، وفق التقارير. وأصيب عدة فلسطينيين أيضاً في غارة بطائرة مسيّرة على طريق الرشيد الساحلي في شمال غزة. وقال المتحدث باسم الدفاع المدني في غزة، محمود بصل، إن خمسة أشخاص آخرين قُتلوا في غارات إسرائيلية يوم الأحد: ثلاثة قرب خان يونس في الجنوب، وواحد في دير البلح في الوسط، وواحد في شمال غرب مدينة غزة.
التعليم تحت النار: سياق أوسع
تأتي الغارة على الجامعة الإسلامية في سياق تدهور شامل لقطاع التعليم في غزة. فقد قالت وزارة التربية والتعليم في غزة إن 10 تلاميذ ومعلمين قُتلوا في هجمات إسرائيلية على القطاع بين 18 و24 أكتوبر، وإن الهجوم على الجامعة يحدث في وقت يواجه فيه قطاع التعليم العالي "إبادة كاملة"، مع تضرر 95 بالمئة من المباني التابعة للمؤسسات الأكاديمية نتيجة الحرب، وفق بيان الوزارة. وهذه الأرقام، الصادرة عن جهة فلسطينية رسمية، لا يمكن التحقق منها مستقلاً بسهولة، لكنها تتسق مع الصورة العامة لدمار واسع أصاب المدارس والجامعات في القطاع خلال الحرب.
والجامعات، في أي مجتمع، ليست مجرد مبانٍ، بل مراكز للذاكرة والمعرفة والتأهيل المهني. فعندما تُدمر قاعات الدراسة والمختبرات والمكتبات، وعندما يُقتل المعلمون والموظفون والطلاب، فإن الخسارة لا تُقاس فقط بعدد القتلى، بل بسنوات من التعليم الضائع، وبأجيال ستجد صعوبة أكبر في إعادة بناء حياتها واقتصادها بعد الحرب. ولهذا السبب، فإن استهداف حرم جامعي، حتى لو قيل إنه يستهدف مقاتلاً واحداً، يثير حساسية خاصة، لأنه يمس مكاناً يُفترض أنه مخصص للتعلم، ويضع الطلاب في قلب الخطر أثناء وجودهم في فصولهم.
وقف إطلاق النار الهش
تطرح هجمات الأحد سؤالاً مركزياً حول اتفاق وقف إطلاق النار: ما الذي يعنيه وقف إطلاق النار إذا استمرت الغارات والقتل شبه اليومي؟ فقد أدانت حركة حماس، في بيانين يوم الأحد، الغارات على الجامعة الإسلامية، واصفة إياها بأنها جريمة حرب وجزء من "إبادة" مستمرة للشعب الفلسطيني في غزة، ومتهمة إسرائيل بتكثيف انتهاكاتها لوقف إطلاق النار من خلال هجمات يومية على الأحياء السكنية وخيام النازحين والمؤسسات المدنية في أنحاء القطاع.
كما اتهمت الحركة القوات الإسرائيلية بتوسيع سيطرتها على الأراضي الفلسطينية من خلال تحرك ما يُعرف بـ"الخط الأصفر" غرباً، إلى جانب فرض قيود على دخول الإمدادات الغذائية الأساسية. ودعت الوسطاء والدول الضامنة إلى اتخاذ إجراءات فورية لوقف الهجمات على المدنيين، وإنهاء الحصار، وتسهيل الإغاثة الإنسانية، وإلزام إسرائيل باحترام التزاماتها بموجب اتفاق وقف إطلاق النار. ووفق وزارة الصحة في غزة، كما نقلت التقارير، قُتل 1551 فلسطينياً وأصيب 5573 آخرون منذ بدء وقف إطلاق النار، بينما تجاوزت حصيلة الحرب الأوسع منذ أكتوبر 2023 أكثر من 74 ألف قتيل وأكثر من 175 ألف جريح، مع تضرر نحو 90 بالمئة من البنية التحتية المدنية في غزة أو تدميرها.
وهذه الأرقام، التي تصدر عن وزارة الصحة في غزة، تُنقل عادة مع الإشارة إلى مصدرها، لأن التحقق المستقل الكامل في ظروف الحرب صعب. لكن الاتجاه العام واضح: وقف إطلاق النار لم يوقف القتل، بل خفف وتيرته مقارنة بذروة الحرب، دون أن ينهيه. وهذا الوضع الهش يضع الوسطاء أمام اختبار مستمر: فكل يوم يمر دون آلية فعالة لمراقبة الانتهاكات ومحاسبة مرتكبيها يزيد من خطر انهيار الهدنة بالكامل.
ما الذي يجب مراقبته؟
أولاً، ما إذا كانت إسرائيل ستقدم تفاصيل إضافية عن الغارة على الجامعة، كما وعدت، ولا سيما ما إذا كان المستهدف المزعوم من بين القتلى. وثانياً، ردود فعل الوسطاء والدول الضامنة: هل ستكتفي بالإدانات اللفظية، أم ستتخذ خطوات عملية لتعزيز مراقبة وقف إطلاق النار؟ وثالثاً، وضع الجامعة الإسلامية نفسها: هل ستستأنف أنشطتها الأكاديمية، وكيف سيتعامل الطلاب والموظفون مع الخوف من تكرار الهجمات داخل الحرم؟
ورابعاً، الوضع الإنساني الأوسع: فالقيود على دخول الغذاء والإمدادات، إذا استمرت، ستفاقم معاناة سكان يعيشون أصلاً وسط دمار هائل ونزوح متكرر، وتزيد الضغط على المستشفيات التي تعالج الجرحى بإمكانات محدودة للغاية. وخامساً، مصير الطلاب الذين نجوا من الغارة: فالعودة إلى قاعات الدراسة بعد مقتل موظفين وجرح زملاء ليست قراراً إدارياً بسيطاً، بل اختبار نفسي وإنساني صعب، يتطلب دعماً نفسياً واجتماعياً لا تملكه مؤسسات منهكة أصلاً، ولا يمكن أن يتوفر بينما تتكرر الهجمات على المؤسسات التعليمية نفسها. وفي النهاية، فإن السؤال ليس فقط عن حصيلة يوم واحد، بل عن مصير اتفاق يُفترض أنه ينهي الحرب، بينما ما زالت الغارات تقتل الطلاب والموظفين والأطفال في أماكن يُفترض أنها آمنة.
المصادر: Al Jazeera / The Times of Israel / Haaretz / ABNA, 25–26 October 2026.




