مقدمة: لحظة قرار معلنة على الهواء
قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إن الوقت يقترب لاتخاذ قرار حاسم بشأن إيران: إما التوصل إلى اتفاق مع طهران، أو استئناف الهجمات عليها. وفي مقابلة مع برنامج "صنداي مورنينغ فيوتشرز" على قناة فوكس نيوز، بُثت يوم الأحد، صاغ ترامب الخيار بعبارات حادة لا تحتمل التأويل، قائلاً: "عليّ أن أتخذ قراراً: هل أنهي الأمر، وهو أمر سهل جداً القيام به، أم أتوصل إلى اتفاق؟ هذا كل شيء. نحن لا نلعب ألعاباً". وجاءت هذه التصريحات في وقت تتصاعد فيه التوترات في الشرق الأوسط، مع تحذيرات مسؤولين من أن الفترة المقبلة قد تكون خطيرة بشكل خاص، ومع استمرار الخلاف حول مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية في العالم.
لكن ترامب، في الوقت نفسه، سعى إلى تهدئة التكهنات الفورية بشأن ضربة وشيكة. فعندما سأله صحفيون يوم الأحد، وهو يغادر البيت الأبيض، عما إذا كانت هناك ضربة وشيكة، أجاب بلا مواربة: "لن تكون هناك ضربة اليوم". وهذا الجمع بين التهديد الحاد والاستبعاد الفوري للعمل العسكري يلخص الموقف الأمريكي الحالي: ضغط متصاعد، لكن دون إعلان عن عمل عسكري فوري، وباب دبلوماسي يظل مفتوحاً، على الأقل في الخطاب العلني.
ما قاله ترامب بالضبط
تضمنت تصريحات ترامب خلال عطلة نهاية الأسبوع عدة عناصر تستحق التوقف عندها، لأنها ترسم معاً صورة الاستراتيجية الأمريكية الراهنة. أولاً، إطار القرار الثنائي: اتفاق أو إنهاء. فالرئيس لم يتحدث عن خيارات وسطى أو عن مسار تدريجي طويل، بل عن مفاضلة بين نتيجتين متناقضتين. وثانياً، الإشارة إلى أن استئناف الضربات قد يأتي بعد انتخابات التجديد النصفي الأمريكية المقررة في الثالث من نوفمبر، وهو توقيت أثار اهتمام المراقبين، لأنه يربط القرار العسكري بالتقويم السياسي الداخلي الأمريكي.
وثالثاً، الحديث عن الحشد العسكري. فقد أرسلت الولايات المتحدة قوات إضافية نحو الخليج، بما في ذلك مجموعة حاملة طائرات ثالثة، وفق التقارير المنشورة يوم الاثنين. وهذا الحشد، في حد ذاته، رسالة: فهو يمنح واشنطن خيارات عسكرية أكبر، ويرفع كلفة أي حسابات خاطئة من جانب طهران، وفي الوقت نفسه يرفع المخاطر إذا ما وقع حادث غير مقصود في منطقة مزدحمة عسكرياً.
ورابعاً، مضيق هرمز. فقد قال ترامب في المقابلة: "تذكروا، نحن الآن نسيطر على مضيق هرمز. هم لا يحصلون على شيء. نعم، نحن نحصل على كل شيء"، في إشارة إلى ما يصفه بإنفاذ أمريكي ناجح لحصار على الموانئ والشحن الإيراني. وهذا الادعاء بالسيطرة على المضيق يضع الممر المائي في قلب المواجهة، لا كهامش لها.
الرد الإيراني والوساطة المتعثرة
من جانبها، ردت طهران بنبرة تجمع بين التحدي والتشكيك في جدوى التفاوض. فقد قال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، وفق التقارير، إن الأمريكيين "لن يحاولوا" شن هجوم إذا سادت العقلانية. وفي الوقت نفسه، نقلت تقارير يوم الاثنين أن إيران وضعت سبعة شروط للمضي في المحادثات مع واشنطن، معتبرة أن المفاوضات ستكون بلا معنى ما لم تُلبَّ هذه الشروط. كما اتهمت طهران واشنطن بمحاولة تجريدها من قدراتها النووية ومن سيطرتها على مضيق هرمز لتخفيف الضغط عن نفسها.
أما جهود الوساطة، ولا سيما المسعى القطري، فتبدو متعثرة. فقد ذكرت تقارير أن وسطاء قطريين وصلوا إلى طهران، لكن الجهود الدبلوماسية لتسوية نزاع مضيق هرمز ما زالت متوقفة، رغم الضغط العسكري الأمريكي الإضافي. وهذا التعثر ليس مفاجئاً: فعندما يطالب كل طرف الطرف الآخر بتقديم تنازلات جوهرية أولاً، ويكون انعدام الثقة عميقاً بعد أشهر من الحرب والضربات المتبادلة، تصبح الوساطة مهمة صعبة، حتى لو كان الوسطاء يحظون بقنوات اتصال مع الجانبين.
وتضيف تصريحات ترامب في تجمع انتخابي في جورجيا طبقة أخرى من التعقيد. فقد قال هناك إن إيران فقدت كبار قادتها وقدراتها العسكرية، وإن من الصعب على واشنطن أن تجد من تتفاوض معه، قائلاً: "عليّ أن أتوقف" عن قتل القادة الإيرانيين، "لأن عليّ أن أعرف مع من أتفاوض". كما قال: "ليس لديهم أي طائرات، ولا سفن، ولا أي شيء، ولا قادة. قائد المستوى الأول رحل، وقائد المستوى الثاني رحل". وهذه التصريحات، سواء قُصد بها المبالغة الخطابية أم التقييم الاستخباري، تثير سؤالاً عملياً: من يملك في طهران سلطة اتخاذ قرار تفاوضي ملزم، وما مدى تماسك مراكز القرار هناك بعد الحرب؟
لماذا يهم مضيق هرمز كل هذا الاهتمام؟
لفهم حدة الخطاب الأمريكي، لا بد من فهم مكانة مضيق هرمز. فهذا الممر الضيق بين الخليج وبحر عمان هو طريق عبور لجزء كبير من تجارة الطاقة العالمية، وأي تهديد بإغلاقه أو تعطيل الملاحة فيه ينعكس فوراً على أسواق النفط وعلى اقتصادات بعيدة عن المنطقة. وقد أظهرت تداولات يوم الاثنين هذه الحساسية: فبينما تراجعت أسعار النفط قليلاً في التعاملات الآسيوية المبكرة، مع انخفاض خام برنت إلى ما دون 116 دولاراً ليصل إلى نحو 115.35 دولاراً للبرميل، وخام غرب تكساس الوسيط قرب 102 دولار، فإن برنت ما زال مرتفعاً بنحو 90 بالمئة هذا العام، بعد أن بلغ أعلى مستوياته في ستة أشهر الأسبوع الماضي.
واللافت أن شحنات النفط الخام من المنطقة تعافت إلى ما يقرب من مستويات ما قبل الحرب، بما في ذلك عبر مضيق هرمز، رغم الهجمات الإيرانية على السفن، وفق التقارير. وهذا التعافي النسبي يفسر، جزئياً، لماذا تصر واشنطن على أن إنفاذها للحصار ناجح، ولماذا تصر طهران، في المقابل، على أن المضيق ورقة ضغط لا يمكنها التخلي عنها بسهولة. فالمضيق ليس مجرد ممر مائي، بل أداة تفاوضية، ومصدر قلق عالمي، ومسرح محتمل لأي تصعيد.
الحوثيون والجبهة الأوسع
لا تقتصر التوترات على إيران وحدها. فقد حذرت التقارير من تزايد التهديدات الإيرانية وتهديدات الحوثيين المدعومين من إيران في اليمن ضد الأمريكيين في الشرق الأوسط، مما دفع الولايات المتحدة إلى تقليص أعداد موظفيها الدبلوماسيين والعسكريين في أجزاء من المنطقة. كما استهدف الحوثيون مطار الملك خالد الدولي في الرياض، الذي أُعيد فتحه أمام الرحلات التجارية يوم الأحد، رداً، بحسب ما أعلنوه، على هجمات سعودية على صنعاء ومناطق أخرى في اليمن يوم السبت. وهذا الامتداد اليمني للصراع يوضح أن أي مواجهة أمريكية إيرانية لا تدور في فراغ ثنائي، بل ضمن شبكة إقليمية من الحلفاء والوكلاء والجبهات المترابطة.
وفي السياق نفسه، حذر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو من أن إيران وحلفاءها قد يحاولون تعطيل الانتخابات البرلمانية الإسرائيلية المقررة يوم الثلاثاء، قائلاً، في شريط فيديو أصدره مكتبه يوم الأحد، إن لدى إسرائيل "مؤشرات استخبارية على أن أعداءنا، إيران ووكلاءها، قد يتحدوننا بهجمات من أجل تعطيل الانتخابات"، وإن الجيش مستعد للعمليات الدفاعية والهجومية. وأضاف: "لا تختبروا قدراتنا. ستتلقون ضربات غير متناسبة". وهذا التحذير الإسرائيلي يضيف بعداً انتخابياً آخر إلى أسبوع مشحون أصلاً بالانتخابات الأمريكية والإسرائيلية معاً.
السياق: حرب بدأت في فبراير وهدنة هشة
تعود جذور المواجهة الحالية إلى الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، التي اندلعت في أواخر فبراير بعد ضربات أمريكية إسرائيلية مشتركة ضد إيران وما تلاها من رد إيراني. ورغم التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار ومذكرة لإبرام اتفاق سلام نهائي، فإن السيطرة على مضيق هرمز ظلت نقطة احتكاك مركزية، مع إصرار ترامب على أن واشنطن "تبلي بلاءً حسناً مع إيران" حتى وهو يهدد بتوسيع العمليات العسكرية.
وهنا تكمن المفارقة التي تحكم المرحلة: وقف إطلاق النار موجود، لكن السلام النهائي غائب. والاتفاقات المؤقتة تصمد بقدر ما يجد الطرفان مصلحة في صمودها، وتنهار عندما يرى أحدهما أن كلفة الصمود أعلى من كلفة التصعيد. وقد حذر مسؤولون من أن الفترة بين الانتخابات الأمريكية وتولي الكونغرس الجديد مهامه قد تكون خطيرة بشكل خاص، مع اعتبار التوصل إلى اتفاق متفاوض عليه الطريق الأكثر ترجيحاً لإنهاء الصراع. وهذا التحذير يعكس درساً متكرراً في السياسة الدولية: فترات الانتقال السياسي تخلق فراغات في الردع، وتغري الأطراف باختبار حدود بعضها بعضاً.
ما الذي يجب مراقبته؟
أولاً، لغة ترامب نفسه في الأيام المقبلة: هل يظل الحديث عن "اتفاق أو إنهاء" مجرد ضغط تفاوضي، أم يتحول إلى جدول زمني محدد؟ وثانياً، مصير الوساطة القطرية والشروط الإيرانية السبعة: هل تفتح هذه الشروط باباً لمفاوضات جدية، أم أنها شروط تعجيزية تهدف إلى تحميل واشنطن مسؤولية الفشل؟ وثالثاً، حركة القوات الأمريكية في الخليج: فالحشد العسكري قد يكون أداة ردع، لكنه قد يتحول أيضاً إلى منطق تصعيد ذاتي إذا وقع حادث في المضيق.
ورابعاً، أسواق النفط: فأي تعطيل جديد للشحن عبر هرمز سينعكس فوراً على الأسعار، وعلى اقتصادات مستوردة للطاقة لا علاقة لها بالصراع. وخامساً، الانتخابات الإسرائيلية يوم الثلاثاء والانتخابات الأمريكية في الثالث من نوفمبر: فكلتاهما قد تؤثر في حسابات التصعيد والتهدئة لدى جميع الأطراف. والسؤال الأهم، في النهاية، ليس فقط ما إذا كانت هناك ضربة "اليوم"، بل ما إذا كان هناك اتفاق يمنع ضربة "غداً".
المصادر: The Business Times / CNBC TV18 / Outlook India / Times of India, 26 October 2026.




